كيف ماتت نوال السعداوي

كيف ماتت نوال السعداوي

اختارت حياتها، وكذلك اختارت الرحيل فى شهر مارس، شهر المرأة فى العالم «٨ مارس»، وفى مصر «يوم المرأة العالمى»، اختارت يوم ٢١، أول أيام موسم الربيع، عيد المرأة الأم، التى كانت تحلم بأن تمنح اسمها لأطفالها، شرفًا، ومجدًا، وأكبر دليل على حبها وتكريمها. الضمير الإنسانى الحى يحكم بالعدل حبا فى العدل وليس خوفا من النار أو طمعا فى الجنة أو الحصول على جائزة. ولقد تحول مفهوم الله فى بلادنا من حب الصدق والعدل والحرية إلى قشور تتعلق بالملابس والشعر. لم يعد الكذب أو الظلم رذيلة بل اختزلت الرذيلة فى عدم تغطية الرأس، و لم يعد التفكير الخلاق والإبداع من مكارم الأخلاق بل الطاعة وحفظ النصوص وأداء الطقوس. لقد تم تهميش الضمير تحت اسم العودة إلى الدين والتراث والهوية والخصوصية الثقافية.

    كيف ماتت نوال السعداوي

  • مع أن السويد، من أكثر البلاد التى تحظى فيها أمى بشعبية كبيرة من جهات مختلفة، ومنحتها جائزة «ستيج داجرمان» الأديب السويدى الشهير الذى مات منتحرًا.
  • «المرأة التى يتحسن مزاجها من كتاب، قصيدة، أغنية، أو كوب قهوة، لن ينتصر عليها أحد، حتى الحياة تخسر أمامها».
  • لا يوجد انفصال بين الإثنتين ( الطبيبة والأديبة) فقد قمت بتشريح المخ والجسد..
  • ويحرص فرج فودة على التنويه بوجود “فرق بين موقف الجماعات الإسلامية من حقوق الإنسان وبين موقف الإسلام من حقوق الإنسان انطلاقا من رؤية بعض المسلمين، حتى وإن وثقوها ببعض النصوص لا تلزم الإسلام ذاته، ولا تزيد من كونها رؤية ولا تؤثر في إمكانية وجود رؤى أخرى بعضها عكسي تماما … وأوضح مثال … على ذلك … يتمثل في موقف الإسلام من الرق، حيث لا خلاف على أنه أحله، ولا خلاف أيضا على أنه شجع على العتق.” ويرى فرج فودة في موقف الإسلام من الرق أنه “كان يفتح الباب واسعا أمام عصور قادمة، يجد المسلمون فيها تناسقا بين جوهر الإسلام وروحه وبين جوهر عصور الحضارة وروحها،” وهو مثال “لإمكانية تطويع النصوص لرأي أو الرؤية فيما يتعلق بشئون الدنيا ومجريات أمور الحياة.”

لا يوجد انفصال بين الإثنتين ( الطبيبة والأديبة) فقد قمت بتشريح المخ والجسد.. وحين تخرجت فى كلية الطب وذهبت للعمل بإحدى القرى ورأيت بعينى حجم البؤس الواقع على النساء، من حيث ممارسة الختان، وعمليات الإجهاض السرى، وكذا الدُخلة «البلدي» وربط الشرف بالكثير من الدماء. أصابنى كل ذلك بالهلع، وكذا الحال فى ختان الذكور، وحجم الوفيات الناتجة عن هذه العمليات. وفى الدراسات والعلوم الحديثة تم إثبات ما أقول،ومن هنا كتبت «المرأة والجنس»، و»الرجل والجنس»، وبعدها فقدت وظيفتى بوزارة الصحة، وفى عام 1973 أغلقوا وصادروا مجلة الصحة التى أسستها وظللت أحررها لأكثر من ثلاث سنوات. كما ترى نوال أن الحجاب والنقاب من صور العبودية وضد الأخلاق، وأن الحجاب لا يعبر عن الأخلاق، وتساءلت لماذا تتحجب المرأة ولا يتحجب الرجل؟ بالرغم من وجود شهوة لكل منهما؟.

كيف ماتت نوال السعداوي

رغم دفاعى عن حقوق النساء، إلا أن هذا لا يعنى أن النساء بريئات، بالعكس هناك نساء متعلمات يفكرن مثل الجوارى وملك اليمين، وحياة الواحدة منهن تعتمد على الرجل، تتخفى بعضهن تحت النقاب أو الزواج جذبا لذوى اللحى والشوارب. تتمتع أغلبهن بالتعليم العالى، ويحملن درجات الدكتوراه أو الماجستير من الجامعات المصرية والأجنبية، ومهما اختلفت أغطية رؤوسهن، من القبعة إلى الحجاب أو البونيه أو الباروكة أو الطرحة، فإن حجاب العقل واحد. الوحدة الوطنية وحضارة الإنسان تأبى الدولة الدينية، لأن هذا الوطن مهما قلتم في النسب 95% أو 90% لا يقبل منا أحد أن ينقسم وأن يشعر فريق من المواطنين قل أو كثر بالخوف من أن يحكم بعقيدة الآخرين ويشعر فريق آخر بالزهو بحكمه لعقيدته. ما نشهده من أنصار الدولة الدينية ونحن على البر قبل أن يقيموا دولتهم … لم نر إلا إسالة الدماء وتمزيق الأشلاء والسطو على المحلات العامة وتهديد القانون وتمزيق الوطن بالفتن … إذا كانت هذه هي البدايات فبئس الخواتيم.

    كيف ماتت نوال السعداوي

  • ودفعت قضية المرأة مرتبطة بقضية العدل والحرية إلى الأمام بقوة ومضاء فائقين.
  • بعد نشر المقال، فوجئت بالاتهامات الأخلاقية والدينية والشتائم والبذاءات والتريقة بشكل وقح، تنهال إعلاميًا.
  • الكتابة تحتاج إلى شجاعة خارقة، وقوة هائلة للإفلات من سجن الزواج والأمومة المثالية ومفاهيم الأخلاق والطاعة.
  • رحلت أمس الكاتبة الكبيرة نوال السعداوى، عن عمر يناهز الـ 90 عامًا، مخلفة وراءها إرثًا كبيرًا، وقد كتب الشاعر والناقد شعبان يوسف مقالة مطولة عن سيرة نوال السعداوى الأدبية وما جرى لها فى مسيرتها الإبداعية.

رحلت أمى فى ٢١ مارس ٢٠٢١، اليوم الذى وافقت الدولة على تغليظ عقوبة إجراء ختان الإناث، القضية التى هاجمتها وطالبت بإيقافها، لأول مرة فى خمسينيات القرن الماضى، واضُطهدت بسببها دينيًا ومهنيًا وثقافيًا وأخلاقيًا. سيأتى يوم قريب، كما أرادت، ويتوقف ختان الذكور أيضًا، ويتم تجريمه بالقانون. فى أكتوبر ٢٠٠٧، كسبت القضية، وتم حفظ التحقيق، لكننى اعتبرته كسبًا لمصر، فى معركتها ضد محاكمة وبهدلة وقهر، حرية الرأى المسالم، الذى لا يحمل إلا القلم المفكر المختلف حتى الآن، تأتينى رسائل من نساء ورجال، فى بلاد مختلفة، أخذوا اسم الأم واسم الأب معًا، ولم يذهبوا إلى السجن، ولم يُهدر دمهم. وبادر عدة أشخاص يتصدرون دائمًا مشهد بلاغات التكفير، منذ استيراد الإسلام الوهابى السلفى فى منتصف سبعينيات القرن الماضى، بتقديم بلاغ ضدى إلى النائب العام، يتهمنى بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وإحداث فتنة، لأن النسب الإسلامى إلى الآباء. فى سنة ٢٠٠٦، يوم ١٨ مارس، أعلنت فى مقال منشور، أننى بمناسبة عيد الأم، سأحمل اسم أمى، بجوار اسم أبى، لتكون هدية مختلفة، لها قيمة فلسفية وفكرية، وثقافية وأخلاقية، لأنها تعدل بين الآباء والأمهات. من ناحية أخرى، كان للدين والطب النفسي، رأيهما في حالة الشماتة التي تواصلت على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ إعلان خبر وفاة الكاتبة نوال السعداوي.

    كيف ماتت نوال السعداوي

  • تتراوح علاقة السعودية مع التيار التقليدي بين المودة والحذر، فالإخوان “معتدلون، والبعض منهم لا ينسى أنه وجد في كنفها ملاذا وسندا وقت الاضطهاد الناصري. وهم في نفس الوقت يزدادون تسيسا بمرور الأيام. وهو ما يجعلها على شفا الحذر منهم، فالكلام في السياسة لا بد وأن يقود إلى حديث الشورى ونظم الحكم، وهي دائرة لا يسمح النظام السعودي باختراق حدودها عند الحوار. والخطر كل الخطر عندما يحدث هذا الاختراق تحت مظلة إسلامية.”
  • واعتقد فرج فودة بوقوع تزوير في الانتخابات أبخسه “ما لا يقل عن خمسة آلاف صوت.”
  • تمثل إيران مركز القيادة للعالم الشيعي لأسباب تتعلق بالقيادة الفكرية والثقل السكاني، رغم وجود المقدسات الشيعية في العراق.
  • ثم أفرج الرئيس محمد مرسي عن أبو العلا محمد في عام 2013، والذي أعلن في أكثر من مقابلة تليفزيونية بعدها عدم ندمه على قتل فرج فودة لأنه كافر.
  • يحرص فرج فودة على أن يوضح ضرورة استناد الانتماء الوطني إلى بعد الجغرافيا الملموس، وليس إلى بعد التاريخ النظري.

كذلك يرى فرج فودة أن مناهج التربية الدينية الإسلامية تنقل صورة خاطئة عن الإسلام حيث أن “ثلاثة أرباع المنهج منحصر في غزوات الرسول،” وهو ما يحول الدين الإسلامي “في ذهن الفتى … إلى دين حرب،” ويدفع بعض الكتاب إلى الدعوة إلى تدريس فنون الكر والفر في الغزوات في الكليات العسكرية. ويحرص فرج فودة على التنويه بوجود “فرق بين موقف الجماعات الإسلامية من حقوق الإنسان وبين موقف الإسلام من حقوق الإنسان انطلاقا من رؤية بعض المسلمين، حتى وإن وثقوها ببعض النصوص لا تلزم الإسلام ذاته، ولا تزيد من كونها رؤية ولا تؤثر في إمكانية وجود رؤى أخرى بعضها عكسي تماما … وأوضح مثال … على ذلك … يتمثل في موقف الإسلام من الرق، حيث لا خلاف على أنه أحله، ولا خلاف أيضا على أنه شجع على العتق.” ويرى فرج فودة في موقف الإسلام من الرق أنه “كان يفتح الباب واسعا أمام عصور قادمة، يجد المسلمون فيها تناسقا بين جوهر الإسلام وروحه وبين جوهر عصور الحضارة وروحها،” وهو مثال “لإمكانية تطويع النصوص لرأي أو الرؤية فيما يتعلق بشئون الدنيا ومجريات أمور الحياة.” وينبه فرج فودة إلى أن “الأقلية القبطية في مصر على عكس كثير من الأقليات في أغلب دول العالم ليست أقلية وافدة بل هي أقلية أصيلة، الأمر الذي يصعب معه النظر إليهم على أنهم دخلاء أو مجموعة قابلة للنزوح إلى موطنها الأصلي أو أو ولاءها خارجي، كما أنه من ناحية أخرى لا يمكن الشك في أن ولاءها لمصر الأرض والوطن والتاريخ، وهذه كلها عوامل تحجم كثيرا من مبررات الصراع الطائفي.” ومن ثم فإن “تبني الأقلية القبطية لبعض المطالب السياسية لا ينطلق من عقيدة دينية بقدر ما ينطلق من مفهوم حقوق الإنسان في العالم المعاصر، وبمعنى آخر فإن موقفهم ينطلق من أرضية سياسية وليس من أرضية دينية.”

كيف ماتت نوال السعداوي

«المرأة التى يتحسن مزاجها من كتاب، قصيدة، أغنية، أو كوب قهوة، لن ينتصر عليها أحد، حتى الحياة تخسر أمامها». وكان «شريف حتاتة» زوجها، وأبى لن يعوض، يقدم كل الحب والدعم والمساندة. يظهر معها، أو بمفرده، فى القنوات الإعلامية، يرد على الهجوم والبذاءات والتهديدات، بشخصيته المعهودة بهدوئها، وصلابتها ورسوخ حجتها، وتمكنه من فضح النصب والتجارة بالدين والفضيلة. كما أن خبرته السياسية الطويلة دربته على مثل هذه المواجهات، ظاهرها دينى، وباطنها سياسى. يا للمفارقة، اليوم الذى ماتت فيه أمى، وتوارى فى التراب، جسدها المرصع بالنجوم، ومجد الاستغناء، كانوا يحتفلون بنساء هاجمن تجريم الختان، ثم أطلقوا عليهن «رائدات» تجريم الختان، وبالأمهات المثاليات، يبتسمون ويسلمون الجوائز، ولم أسمع كلمة واحدة عن أمى.

كيف ماتت نوال السعداوي

ويشير فرج فودة إلى “اختلاف بعض الفقهاء حول حد الردة، ورؤية بعضهم أنه ليس حدا وإنما هو اجتهاد لأبي بكر، ورأي البعض الآخر أنه مرتبط بنشأة الدولة الإسلامية وبداياتها وأنه لا يوجد ما يبرره حاليا.” وبصورة عامة، فيمكن اعتبار العديد من كتب فرج فودة دراسات تفصيلية للتيارات الثلاثة، “فحوار حول العلمانية” هو نقد للتيار التقليدي، و”الإرهاب” نقد للتيار الثوري، و”الملعوب” نقد للتيار الثروي وتحذير من أثر بيوت توظيف الأموال الإسلامية على الاقتصاد المصري وتدمير مدخرات المصريين وإضعاف السيولة اللازمة للاستثمار وإبخاس قيمة الجنيه المصري. كذلك يعتبر كتابه “النذير” تأريخا لحركة هذه التيارات الثلاثة والتي بدأت منفصلة شبه متناحرة في انتخابات 1984، ثم متحالفة في انتخابات 1987، ولفشل تعامل الحكومات المصرية مع هذه التيارات. ولقد رأى فرج فودة أنه قد “تم هذا التنامي الهائل في ظل الإعلان الدائم عن تصدي الدولة لهذه التيارات، وتحت شعارات ورايات مواجهة التطرف السياسي الديني. وأن ينجح تيار ما في التنامي في ظل الغفلة، فإن ذلك يعتبر نجاحا مبررا. أما أن ينجح في ظل التنبيه وإعلان المواجهة، فإن النجاح هنا يعتبر نجاحا مضاعفا للتيار السياسي الديني، بقدر ما هو فشل مضاعف للدولة.” لجأ فرج فودة أحيانا إلى الشعر في مقالاته، مثل كتابته لموال شعبي للرد على الكاتب خيري فايد الذي نشر في جريدة الوفد مقالا بعنوان (ليس للعلمانية مكان في دولة الإسلام)، وهو المقال الذي قارنه فرج فودة بما هو مأثور عن دعوة مصطفى النحاس الزعيم التاريخي للوفد الرئيس جمال عبد الناصر إلى جعل مصر علمانية. ولفرج فودة أيضا تجربة خلط فيها بين قصيدة النثر والمقال السياسي نشرها في مجلة (أكتوبر) بعنوان (اللهم لا حسد) عن العلاقة بين التطرف الديني والكبت الجنسي.

كيف ماتت نوال السعداوي

وحتى لو أردت نسبًا أموميًا خالصًا، ليس لأحد الوصاية على أفعالى، وإذا كان إنكارًا لشىء ثابت دينيًا، فالله وحده هو الذى يسائلنى، وليس عدة أشخاص، يريدون انتزاع سلطة الخالق، الذى يملك وحده حق العقاب، لو فيه عقاب. وتؤكد القصة أنها تخلو من الجنس بالمعنى المعروف، لأن القصة كانت تدور حول حرباء بلون الرمال، تلتقى بها بطلة القصة فى الصحراء كل يوم، وتهز لها ذيلها فرحا حين تراها، فتخاف منها، متخيلة أنه “حيّة”، ذلك الخوف الكامن لدى البطلة منذ الطفولة، تلك الحيّة التى تتحول إلى أفعى، إنها الشيطان الذى أخرج آدم من الجنة! ، لكن هذه الحية تفرح بلقاء البطلة، وتقفز فوق التل رافعة ذيلها، وكانت عيناها تلمعان فى ابتسامة، إذ تخيلتها البطلة أنها صديقة لحواء، وهكذا تدور القصة حول رموز كثيرة وردت فى القرآن والتوراة، وهذا بالتأكيد ما دفع بهاء لرفض القصة، ولكنه شجعها بعد ذلك على الكتابة، ونشرت أول قصة وتقاضت عليها ثلاثة جنيهات، ومن هنا بدأت طريق الكتابة الأدبية. ففى العام 1945، كانت نوال فى السنة الثالثة بمدرسة حلوان الثانوية، وكان قد تقدّم لها “عريس” يحمل درجة الليسانس، ولكنها رفضته بقوة، وراحت تبحث عن التعليم والقراءة والمعرفة والحرية، وظلّت هذه المفردات شبه مقدسات فى حياة نوال السعداوى.

كيف ماتت نوال السعداوي

“هل كان يجب عليك الموت لتنيري هذه العقول المظلمة؟ هل كان يجب عليك دفع هذا الثمن بحياتك؟ يجب على الأطباء ورجال الدين أن يعلموا أن الدين الصحيح لا يأمر بقطع الأعضاء التناسلية. كطبيبة وناشطة في مجال حقوق الإنسان أرفض تمامًا هذه العملية كما أرفض ختان الذكور. وأؤمن أن الأطفال جميعًا ذكورًا وإناث يجب حمياتهم من هذا النوع من العمليات”.. بهذه الكلمات خاضت السعداوي معركة شرسة ضد ختان الإناث بدأتها أول حياتها إلى أتت ثمارها بعدما تبنت الدولة هذا الاتجاه. وتوفيت اليوم الأحد، الدكتورة نوال السعداوي، بعد صراع مع المرض، عن عمر يناهز الـ90 عامًا. وفي أبريل 1993، تم القبض على أشرف إبراهيم في المنصورة أثناء مشاركته في محاولة اغتيال وزير الإعلام صفوت الشريف، وحكمت عليه محكمة عسكرية بالإعدام، ونفذ الحكم بينما لا تزال قضية فرج فودة منظورة أمام المحكمة.